تحقيقات

لبنان على رصيف التاريخ: من سايكس-بيكو إلى النظام الأمني الجديد

لبنان، كغيره من دول المنطقة، كان أحد نتاجات تلك الحقبة

Aicha Daher 03/02/2026 225 views
لبنان على رصيف التاريخ: من سايكس-بيكو إلى النظام الأمني الجديد
شارك هذا المقال:

لبنان على رصيف التاريخ: من سايكس-بيكو إلى النظام الأمني الجديد
عندما رُسمت خرائط الشرق الأوسط في مطلع القرن الماضي، لم تكن وليدة الجغرافيا أو انعكاساً لإرادة شعوبه، بل نتيجة تفاهمات القوى الكبرى ومصالحها. من سايكس-بيكو وما تلاها، ولدت دول وتفككت أخرى، خسر بعضها أجزاءً من أراضيه، فيما استفادت دول أخرى من توسعات جغرافية وديموغرافية، فكان لكل كيان نصيبه من تلك المرحلة التأسيسية القاسية.

لبنان، كغيره من دول المنطقة، كان أحد نتاجات تلك الحقبة. دولة نشأت بحدود وتركيبة سياسية واجتماعية معقدة، حملت في داخلها عناصر القوة كما بذور الأزمات، ولا تزال ارتدادات تلك الترتيبات حاضرة حتى يومنا هذا.

ولأن ما جرى أصبح جزءاً من التاريخ، ولسنا في وارد الغوص في تفاصيله، فإن السؤال اليوم لم يعد: ماذا كان؟ بل: ماذا يُحضَّر؟

لقد عبر قطار سايكس-بيكو محطته، ونحن اليوم نقف على رصيف تاريخي جديد، ننتظر القطار القادم؛ قطار النظام الأمني والجيوسياسي الجديد للمنطقة. نظام آخذ في التشكل، تتداخل فيه المصالح الدولية والإقليمية، وتُعاد من خلاله صياغة التحالفات وموازين القوى، وربما حتى الأدوار والوظائف. نظام لا نعرف بعد مداه الزمني ولا حدوده النهائية، لكنه بلا شك سيترك أثره العميق على الشرق الأوسط برمته.

وهنا نصل إلى لبّ الموضوع: نحن في لبنان، أين نقف من كل ذلك؟

هل أعددنا أنفسنا لمواجهة هذه التحولات الكبرى؟

هل نحن محصّنون سياسياً ووطنياً لعبور المرحلة القادمة؟

أم أننا ما زلنا ندور في حلقة الانقسام، بين الدولة واللا دولة، وبين الانتماء للوطن والانتماء لما دونه؟

للأسف، لا تبدو الصورة مطمئنة. فما زال الواقع اللبناني أسير تشرذم مزمن: فريق يقدّم انتماءه الحزبي على الانتماء الوطني، وفريق يغلّب الهوية الدينية على مفهوم الدولة، وآخر يتمسّك بامتيازات كرّسها الاستعمار يوماً، فيما يرفع بعضهم شعار الدولة في العلن، ويعمل على تفكيكها من الداخل في الممارسة.

الأخطر من ذلك، أننا لم ننجح بعد في التوحّد حول رؤية وطنية واحدة في القضايا الكبرى والمصيرية. لا اتفاق على مفهوم الدولة، ولا إجماع على دور لبنان، ولا قراءة مشتركة لما يجري من حولنا، رغم التسارع المستمر في الأحداث.

أما الطبقة السياسية، فكثيراً ما تبني حضورها وشعبيتها على هذه الانقسامات. وإذا ما خفتت حدتها، يُعاد إيقاظها عند الحاجة، لأن الخلاف أصبح أداة حكم، لا أزمة عابرة، ووسيلة للبقاء، لا عارضاً يجب معالجته.

الخلاصة
القطار آتٍ لا محالة. قطار المرحلة الجديدة، بتحدياتها ومخاطرها وفرصها. فإما أن نتوحد حول رأي وطني رشيد، ونحجز تذكرتنا، ونصعد لنأخذ مكاننا في مستقبل المنطقة، وإما أن نبقى على رصيف التاريخ، ننتظر قطاراً آخر... وللأسف، موعد وصوله يبقى في علم الغيب.

حمى الله لبنان مما هو آت.

بقلم: يحيى العربي مجاهدي

إعلان السوق اللبناني المجاني
Aicha Daher
Aicha Daher

كاتبة و رئيسة تحرير صيدا بوسط.

إعلان السوق اللبناني المجاني (Copy)