*مبدأ مونرو: حين تتحول السياسة الدفاعية إلى هيمنة مفتوحة*
في عام 1823 أعلن الرئيس الأميركي الخامس جيمس مونرو ما عُرف لاحقا بـ«مبدأ مونرو»، والذي جرى تقديمه آنذاك بوصفه سياسة دفاعية تهدف إلى منع عودة الاستعمار الأوروبي إلى القارة الأميركية. وقد رُوِّج لهذا المبدأ باعتباره ضمانة لاستقلال دول «العالم الجديد»، وتحديدا دول أميركا اللاتينية والجنوبية، في مواجهة الأطماع الأوروبية القديمة.
غير أن هذا المبدأ، الذي بدا في ظاهره حماية لسيادة تلك الدول، سرعان ما تحول إلى حجر الأساس لبناء هيمنة أميركية طويلة الأمد. فعمليا، منح مبدأ مونرو الولايات المتحدة حق التدخل في شؤون دول القارة الأميركية، سياسيا وعسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا، ووفر لها الغطاء لوضع اليد على ثرواتها ومقدراتها، في الوقت الذي مُنعت فيه أي قوى دولية أخرى من ممارسة الدور نفسه.
وهكذا، وباسم رفض الاستعمار الأوروبي، احتكرت واشنطن المجال الجيوسياسي للقارة الأميركية، وفرضت نفسها وصيا على دولها، قبل أن تتوسع لاحقا في فرض نفوذها دون أن تُوصَف ممارساتها بالاستعمار. وقد ساهم في ترسيخ هذا التحول ما عُرف بتعديل الرئيس ثيودور روزفلت عام 1904، الذي أخرج عقيدة مونرو من إطارها الدفاعي الضيق، وحوّلها إلى أداة تبرر التدخل المباشر تحت شعارات «الاستقرار» و«حماية المصالح الأميركية»، وبذريعة الحفاظ على «الأمن القومي الأميركي».
منذ ذلك الحين، لم يعد مبدأ مونرو مجرد إعلان سياسي، بل أصبح مرجعية عملية لسلسلة طويلة من التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية، كما في فنزويلا ودول الجوار، حيث استُخدم لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية، والتحكم في الموارد الاقتصادية، وفرض نماذج بعينها من التبعية الاقتصادية والتكنولوجية.
ومع مرور الوقت، لم يتوقف منطق هذا المبدأ عند حدود القارة الأميركية، بل بدأ يتمدد تدريجيا إلى خارجها، ليطال أطرافا أخرى من العالم. ويمكن رصد هذا التمدد في الاهتمام الأميركي المتزايد بغرينلاند، وفي الحضور المكثف في أفريقيا بما تختزنه من ثروات طبيعية هائلة، وفي الشرق الأوسط بما يملكه من موارد استراتيجية وموقع جيوسياسي بالغ الحساسية.
في هذا السياق، يمكن فهم كثير من السياسات الأميركية الحديثة، ولا سيما موقفها الرافض لوجود قوى منافسة قرب حدودها الاستراتيجية، سواء كانت أوروبية أو صينية أو روسية. كما يمكن فهم الطريقة التي تتعامل بها مع مناطق بعينها وفقا لما تختزنه من ثروات وموارد، باعتبارها ساحات نفوذ غير قابلة للمشاركة، وليست فضاءات مفتوحة للتوازن الدولي.
بهذا المعنى، لا يبدو مبدأ مونرو حدثا تاريخيا منتهيا، بل منطق هيمنة مستمر، جرى تعميمه عالميا بأسماء وعناوين مختلفة. إنها نسخة موسعة من المبدأ ذاته، تتجاوز القارة الأميركية لتطال النظام الدولي ككل، وتعيد إنتاج منطق السيطرة، حتى وإن تجنبت تسميته الصريحة بالاستعمار.
*يحيى العربي مجاهدي*